محمد سعيد رمضان البوطي

77

فقه السيرة ( البوطي )

ولكن الحقيقة أن الإسلام لا تقاليد فيه . إنه الدين الذي جاء لتخليص العقل من براثن التقاليد ، كما رأينا في أولى خطوات الدعوة التي قام بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أما التقاليد : فإنما هي تلك التيارات السلوكية التي ينجرف فيها الناس تلقائيا بمجرد باعث المحاكاة والتقليد لدى الإنسان . المبادئ : هي الخط الذي يجب أن ينضبط بها تطور الزمن ، لا العكس . والتقاليد : هي مجموعة الطفيليات التي تنبت تلقائيا وسط الكحول الفكرية للمجتمع ، فهي الحشائش الضارة التي لا بد من اجتثاثها وتنقية سبيل التفكير السليم عنها . الإيذاء ثم إن قريشا اشتدت في معاداتها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، أما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد لاقى من إيذائهم أنواعا كثيرة ، من ذلك ما رواه عبد اللّه بن عمرو بن العاص إنه قال : بينا النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ، ودفعه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وقال : « أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللّه » « 1 » ؟ . ومنه ما روى عبد اللّه بن عمر قال : بينا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش ، جاء عقبة بن أبي معيط بسلأ جزور فقذفه على ظهر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يرفع رأسه ، فجاءت فاطمة رضي اللّه عنها فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك 2 ، ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الهزء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مرّ بهم في طرقاتهم أو نواديهم . ومنه ما رواه الطبري وابن إسحاق أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض سكك مكة ، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول اللّه يقول لها : « يا بنية لا تبكي ، فإن اللّه مانع أباك » « 3 » . وأما أصحابه رضوان اللّه عليهم ، فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب ، حتى مات

--> ( 1 ) و ( 2 ) رواه البخاري . ( 3 ) انظر تاريخ الطبري : 2 / 244 ، وسيرة ابن هشام : 1 / 158 .